عبد الرحمن السهيلي
58
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
هذا أصل الاسم ، ومن ثم قالوا : أكلتهم السنة ، فسموا شدة القحط سنةً ، قال الله سبحانه : « ولقد أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ » الأعراف ومن ثم قيل : أسنت القوم إذا أقحطوا ، وكأن وزنه أفعتوا ، لا أفعلوا ، كذلك قال بعضهم ، وجعل سيبويه التاء بدلاً من الواو ، فهي عنده : أفعلوا ، لأن الجدوبة والخصب معتبر بالشتاء والصيف ، وحساب العجم إنما هو بالسنين الشمسية بها يؤرخون ، وأصحاب الكهف من أمية عجمية ، والنصارى يعرفون حديثهم ، ويؤرخون به ، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم ، وتمم الفائدة بقوله : وازدادوا تسعاً ليوافق حساب العرب ، فإن حسابهم بالشهور القمرية كالمحرم وصفر ونحوهما وانظر بعد هذا إلى قوله : « تَزْرَعُون سَبْعَ سِنينَ دَأَباً » يوسف الآية ، ولم يقل أعواماً ، نفيه شاهد لما تقدم ، غير أنه قال : « ثم يأتي من بعد ذلك عام » ، ولم يقل : سنة عدولاً عن اللفظ المشترك ، فإن السنة قد يعبر بها عن الشدة والأزمة كما تقدم ، فلو قال : سنة لذهب الوهم إليها ؛ لأن العام أقل أياماً من السنة ، وإنما دلت الرؤيا على سبع سنين شداد ، وإذا انقضى العدد ، فليس بعد الشدة إلا رخاء ، وليس في الرؤيا ما يدل على مدة ذلك الرخاء ، ولا يمكن أن يكون أقل من عام ، والزيادة على العام مشكوك فيها ، لا تقتضيها الرؤيا ، فحكم بالأقل ، وترك ما يقع فيه الشك من الزيادة على العام ، فهاتان فائدتان في اللفظ بالعام في هذا الموطن ، وأما قوله : « وبلغ أربعين سنةً » فإنما ذكر السنين ، وهي أطول من العوام ، لأنه مخبر عن اكتهال الإنسان ، وتمام قوته واستوائه ، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن ؛ لأنها أكمل من الأعوام ، وفائدة أخرى : أنه خبر عن السن ، والسن معتبر بالسنين ، لأن أصل السن في الحيوان لا يعتبر إلا بالسنة الشمسية ، لأن النتاج ، والحمل يكون بالربيع والصيف ، حتى قيل ربعي للبكير وصيفي للمؤخر ، قال الراجز : إن بنيّ صبيةٌ صيفيّون * أفلح من كان له ربعيّون فاستعمله في الآدميين ، فلما قيل في الفصيل ونحوه : ابن سنة وابن سنتين ، قيل ذلك في الآدميين ، وإن كان أصله في الماشية لما قدمنا ، وأما قوله : « وحَمْلُه وفِصَالُه في عامين » فلأنه قال سبحانه : « يَسْألُونَك عن الأَهِلَّةِ قل هي مواقيتُ للناس والحج » البقرة فالرضاع من الأحكام الشرعية ، وقد قصرنا فيها على الحساب بالأهلة ، وكذلك قوله : « يُحِلِّونَه عَاماً ويُحَرِّمونه عاماً » ولم يقل : سنةً ؛ لأنه يعني شهر المحرم وربيع إلى آخر العام ، ولم يكونوا يحسبون بأيلول ولا بتشرين ولا بينير ، وهي الشهور الشمسية وقوله سبحانه : « فأماته اللّه مائةَ عامٍ » إخبار منه لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وحسابهم بالأعوام والأهلة كما وقت لهم سبحانه ، وقوله سبحانه في قصة نوح : « فلبث فيهم ألْفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً » العنكبوت قيل : إنما ذكر أولاً السنين ؛ لأنه كان في شدائد مدته كلها إلا خمسين عاماً منذ جاءه الفرج ، وأتاه الغوث ، ويجوز أن يكون الله سبحانه علم أن عمره كان ألفاً ، إلا أن الخمسين منها ، كانت أعواماً ، فيكون عمره ألف سنة ، تنقص منها ما بين السنين الشمسية والقمرية في الخمسين خاصة ؛ لأن خمسين عاماً بحساب الأهلة أقل من خمسين سنة شمسية بنحو عام ونصف ، فإن كان الله